نغمات هاربة من السماء
موسيقى ملائكية،آلة عظيمة
يُعَدّ بنجامين فرانكلين (1706–1790) أحد أعظم العقول في التاريخ الأمريكي والعالمي. فقد كان رجل دولة، وفيلسوفًا، وعالمًا، ومخترعًا، وواحدًا من أبرز مؤسسي الولايات المتحدة لم يكن فرانكلين مجرد سياسي بارع، بل كان أيضًا عقلًا مبدعًا لا يعرف حدودًا للخيال فمن بين اختراعاته الشهيرة مانع الصواعق، والنظارات ثنائية البؤرة، والمدفأة الحديدية، إلى جانب تجاربه الرائدة في الكهرباء. ومع ذلك، فإن واحدًا من أكثر ابتكاراته فرادةً لم يكن في مجال العلوم أو السياسة، بل في عالم الموسيقى: الأرمونيكا الزجاجية، التي عُرفت بـ "آلة موسيقى الملائكة"
“ولادة فكرة الأرمونيكا”
في منتصف القرن الثامن عشر، وأثناء وجوده في لندن مندوبًا عن المستعمرات الأمريكية، حضر فرانكلين حفلاً موسيقيًا استُخدمت فيه "الكؤوس الغنائية" المضبوطة بالماء كان المشهد مألوفًا؛ حيث تمرّر الأصابع المبللة على حواف الكؤوس لتصدر أصواتًا رقيقة لكن فرانكلين، الذي اعتاد أن يرى في كل تجربة فرصة للابتكار، رأى إمكانية لتطوير هذه الفكرة وتحويلها إلى آلة متكاملة قادرة على إنتاج مدى واسع من الألحان والأنغام ومن هنا بدأت رحلته مع اختراع الأرمونيكا الزجاجية عام 1761، واسمها مشتق من الكلمة الإيطالية Armonia أي "الانسجام"
لم يكتفِ فرانكلين بفكرة ملء الكؤوس بالماء لتغيير النغمات، بل ابتكر آلية جديدة تمامًا:
صنع مجموعة من الأوعية الزجاجية متفاوتة الأحجام والسماكة، كل منها مضبوط على نغمة معينة
ثُبتت الأوعية داخل بعضها البعض باستخدام الفلين، وثُقبت في مركزها لتُمرر عبرها قضيب حديدي
دارت الأوعية أفقيًا بواسطة عجلة مرتبطة بدواسة قدم
ما على العازف إلا أن يُبلّل أصابعه قليلًا ويلمس حواف الأوعية الزجاجية أثناء دورانها لتخرج الأصوات الساحرة
ولإضفاء لمسة عملية، طلى فرانكلين الأوعية بألوان مختلفة لتحديد النغمات بذلك، تحوّلت الآلة من مجرد "لعب بالكؤوس" إلى آلة موسيقية حقيقية قادرة على عزف الأوتار والمقطوعات المعقدة
امتاز صوت الأرمونيكا الزجاجية بصفاء غريب وصفه البعض بأنه إيثيري أو سماوي كان العزف عليها بسيطًا في الظاهر لكنه يتطلب مهارة في الضغط واللمس لإخراج الفروق الدقيقة في الطبقات الصوتية سرعان ما أصبحت هذه الآلة محبوبة في أوساط الأرستقراطيين والفنانين في أوروبا
أخذ فرانكلين آلته معه في رحلاته إلى باريس ولندن، وكان يعزف ألحانًا شعبية أو مقطوعات من تأليفه لجذب المستمعين لم يمض وقت طويل حتى كتب مؤلفون كبار مقطوعات خصيصًا لها:
فولفغانغ أماديوس موزارت ألّف مقطوعته الشهيرة Adagio for Glass Armonica (K. 617a)
لودفيغ فان بيتهوفن استخدمها في بعض أعماله
غايتانو دونيزيتي كتب لها أيضًا
حتى الطبيب الشهير فرانز مسمر استخدم صوتها في جلساته للعلاج بالتنويم المغناطيسي، معتقدًا أنها تملك قوى علاجية
ورغم نجاحها، أحاطت بالأرمونيكا الزجاجية الكثير من المخاوف والخرافات:
اتُّهمت بأنها تُسبب الدوار، التشنجات، وحتى الاضطرابات العصبية
شاع أن نغماتها العالية تستحضر الأرواح أو تدفع المستمعين للجنون
في ألمانيا، بعد وفاة طفل خلال حفل عزف، منعت بعض المدن استخدامها
البعض ألقى اللوم على التسمم بالرصاص الناتج من البلورات الزجاجية أو الأصباغ المستخدمة، لكن لم يظهر أي دليل علمي يؤكد ذلك
بحلول عشرينيات القرن التاسع عشر، بدأت الأرمونيكا تفقد مكانتها:
ظهور آلات منافسة مثل البيانو التي سلبت الأضواء الخوف والشائعات التي جعلت الناس ينفرون منها
وبذلك تحوّلت من آلة كان يُطلق عليها "موسيقى الملائكية" إلى قطعة منسية في تاريخ الموسيقى
في القرن العشرين، عاد الاهتمام بها مجددًا أعيد تصنيع بعض النماذج استنادًا إلى تصميم فرانكلين، وعزف عليها موسيقيون معاصرون لإحياء تراثها واليوم، لا تزال الأرمونيكا الزجاجية رمزًا فريدًا يجمع بين العلم والفن والإبداع
لقد كان بنجامين فرانكلين أكثر من مجرد عالم أو رجل سياسة، كان روحًا مبدعة ترى الجمال حتى في اهتزازات الزجاج ففي الأرمونيكا الزجاجية، لم يخترع آلة موسيقية وحسب، بل قدّم للعالم تجربة صوتية تشبه الحلم
وعند وفاته سنة 1790، كان قد صُنع أكثر من خمسة آلاف آلة من ابتكاره، لكنه لم يجمع منها مالًا لأنه رفض تسجيل براءة اختراع فقد قال مقولته الخالدة:
"كما أننا نستمتع بفوائد عظيمة من اختراعات الآخرين، ينبغي أن نكون سعداء إذا سنحت لنا فرصة أن نخدم غيرنا بأي اختراع من اختراعاتنا، وينبغي أن نفعل ذلك بحرية وسخاء"
وهكذا بقيت الأرمونيكا الزجاجية شاهدة على رجل لم يرَ في الاختراع منفعة شخصية، بل رسالة إنسانية وإبداعًا خالدًا



