في 18 يوليو عام 1918 ولد في قرية مفيزو في جنوب أفريقيا طفل اسمه “نيلسون روليهلاهلا مانديلا” وسط مجتمع تهيمن عليه سلطة الفصل العنصري بما معناه (الفصل بين من هو أبيض البشرة ذو العيون الزرقاء وبين أسود البشرة ذات العيون البُنية) كان ابن زعيم من قبيلة التمبو ولكنه تخلى عن مكانته القبلية ليُصبح مُحاميًا يناضل من أجل شعبه الذي يُعاني ولتحقيق العدالة والمساواة بين الناس بدل التفرقة وسُرعان ما أصبح رمزًا من رموز المقاومة في هذا العالم ولكن نقطة التحول في هذه القصة حصلت بعد مجزرة بشعة والذي يُسمى <<مجزرة شاربفيل >> في عام 1960 وأضطر إلى تحويل مسيرته السلمية إلى مُسلحة وأسس الجناح العسكري للحزب معلنًا أن النضال المسلح
<< أصبح ضرورة فرضها القمع>>
اعتقل عام 1962 وحُكم عليه بالسجن المؤبد في محاكمة ريفونيا الشهيرة بعد أن قدّم خطابه التاريخي من قفص الاتهام قائلًا
“لقد حلمتُ بمجتمع ديمقراطي يعيش فيه الجميع بكرامة وهو مثلٌ اعيش من أجله ومستعد أن أموت في سبيله”
ولقد قضى 27 عامًا في السجن معظمها في جزيرة روبن رافضًا أيّ عروض بالإفراج المشروط مقابل التخلي عن مبادئه ولقد خرج في 11 فبراير 1990 وسط احتفاء عالمي وبعد ذلك توجه ليقود مفاوضات أنهت نظام الأبارتيد (الفصل العنصري) ويفتح صفحة جديدة من التاريخ في عام 1994 أصبح مانديلا أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا بعد انتخابات حرّة فكرّس رئاسته للمصالحة بين السود والبيض وأسس لجنة الحقيقة والمصالحة التي مثلت نموذجًا فريدًا للعدالة السلمية ورُغم المجد لم يأخذ تواضعه بعيدًا عنه وكان مؤمنًا بأن التغيير يبدأ بالتعليم والمعرفة قائلًا:(التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم) ولقد مات في 5 ديسمبر 3013 عن عمر95 ليرقد روحه بسلام
ومع ذلك لايزال أثر مانديلا واضحًا في هذا العالم وينتقل أفكاره من جيل إلى أخر ولكن هذا المقال ليس فقط لذكر نضاله وحربه ولكن عن ظاهرة تمت تسميته بإسمه بعد أن خرج جمهور كبير من الشعب يهتف بأن نيلسون مانديلا قد مات في السجن في الثمانينات ولكن نحن نعرف بأن هذا لم يحصل ولكن لما خرج هذه الشائعة؟ وهل خلفها أسباب علمية؟ سنتحدث عن هذه الظاهرة والتي قد تُسمى الذاكرة الزائفة أو الوهم الجماعي حيث يمكن وبالصدفة أن يمتلك الجميع ذكرى خاطئة عن أمر ما ولقد ذُكر هذا المصطلح في موقع أنشأته الكاتبة والباحثة فيونا بروم لتسرد ما كانت تتذكره عن رئيس جنوب أفريقيا مانديلا التي كانت تتذكر تغطية إخبارية عالمية عن وفاته في الثمانينات لتكتشف هي والكثير ممن كانوا مثلها بأنهم فقط يتشاركون ذاكرة خاطئة وأن مانديلا قد كان على قيد الحياة في ذلك الوقت وبل خرج من السجن كما ذكرنا إلى أن مات في عام 2013 وتم ذكر أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة منها
نظارة “رجل المونوبولي” يعتقد الكثير من الناس أن رجل لعبة مونوبولي كان يرتدي عدسة أحادية ويحمل عصا لكن في الحقيقة لم يكن يرتدي العدسة أبدًا وهو مثال عن المانديلا البصري
وشخصية بيكاتشو الصفراء يعتقد الناس بأن كان في نهاية ذيله صبغة سوداء ولكن الحقيقة لم يكن له أي طرف اسود في نهاية الذيل بل هو اصفر بالكامل
الأسباب المذكورة في المصادر تُرجح إلى مرونة الذاكرة البشرية ويمكن أن تتأثر بسهولة بمعلومات الآخرين مما يؤدي إلى إستحضار أحداث لم تحدث أو تحريف أحداث واقعية:
1-الذكريات الزائفة
هي ذكريات غير صحيحة أو مشوهة لحدث ما مع وجود بعض عناصر حقيقة تشبه الحدث الأصلي وأحيانًا تكون مختلفة تمامًا الذاكرة القابلة للإيحاء بمعنى أن المعلومات القادمة من الآخرين أو من الانترنت أو حتى رغبة الشخص بتصديق شيء معين قد تغيّر طريقة تذكّره في بعض الدراسات استطاع العلماء زرع ذكريات كاذبة لدى أشخاص جعلتهم يعتقدون بأنهم ارتكبوا جريمة ولم يستطيعوا التمييز بين الذاكرة الحقيقية والزائفة كما طُوّرت طريقة معروفة لتوليد الذكريات الزائفة تدعى (ديز-رويديغر-ماكديرموت) (DRM paradigm) حيث يُعرض على المشاركين قائمة من كلمات مترابطة مثل:
(زرافة_قرد_حوت_افعى_فيل) ثم يُسألون لاحقًا عما إذا كانت كلمة مرتبطة مثل (الأسد) كانت ضمن القائمة وغالبًا ما يُجيبون بنعم رغم أنها لم تكن موجودة اصلًا
2-التلفيق (الاختلاق العقلي- Confabuluation)
هو تكوين ذكريات خاطئة بشكل تلقائي لملء الفراغات في الذاكرة
على سبيل المثال قد لا يتذكر شخص ما حدث لنيلسون مانديلا فيفترض أنه توفي منذ زمن بعيد وتكوّن ذكرى كاملة حول ذلك هذا لا يعني أنه يكذب بل هو يؤمن فعلاً بتلك الذكرى الزائفة ويُعد التلفيق عرضًا شائعًا في الأمراض العصبية التي تؤثر على الذاكرة مثل الزهايمر وأنواع أخرى من الخرف
3- التمهيد الذهني (Priming)
هو ظاهرة نفسية تُشير إلى أن التعرض لمثيرٍ ما يؤثر في الاستجابة لمثير لاحق
مثلًا إذا قرأ الشخص كلمة "عشب" فسيتعرف على كلمة "شجرة" أو "جزازة" بسرعة أكبر من كلمة غير مرتبطة
تُستعمل هذه الظاهرة أيضًا في تأثير الأسئلة الموجهة،فمثلًا:
"هل أمسكت الكرة الحمراء من الرف؟"
أكثر إيحاءً من:
"هل أخذت شيئًا من الرف؟"
لأن السؤال الأول يحتوي على تفاصيل توجّه الذاكرة نحو شيء محدد
4- العوالم المتوازية والكون البديل
تصف فيونا بروم ظاهرة مانديلا بأنها ذكرى واضحة لحدث لم يقع في هذا الواقع وترى أن ذلك قد يكون نتيجة تداخل بين عوالم أو أكوان متوازية هذه الفكرة تستند إلى نظريات فيزيائية حقيقية مثل نظرية الأوتار (String Theory) التي تفترض وجود عدد لانهائي من الأكوان
لكن حتى الآن لا يوجد أي دليل علمي يربط ظاهرة مانديلا بهذه النظريات ويُرجّح العلماء أن آليات الذاكرة الزائفة تفسر الظاهرة تفسيرًا أفضل
5-تأثير الإنترنت
أصبح الإنترنت أرضًا خصبة لترويج هذه الظاهرة إذ تنشر بعض المدونات أفكارًا تزعم أن ظاهرة مانديلا دليل على الأكوان المتعددة بينما يستخدمها آخرون لترويج معلومات زائفة ونظريات مؤامرة يُعد الإنترنت أداة قوية في زرع الذكريات الخاطئة من خلال:
التمهيد الذهني (priming)
المزج بين معلومات صحيحة وأخرى خاطئة وتكرار الأكاذيب حتى تبدو حقيقية
نشر الأخبار الزائفة لدعم فكرة معينة
السمات المميزة لظاهرة مانديلا ذكريات مشوّهة أو غير دقيقة جزئيًا أو كليًا وتذكّر أحداث كاملة لم تقع أبدًا
ولا تنطوي الظاهرة على كذب أو خداع متعمّد بل تحدث عندما يكون لدى الفرد أو الجماعة ذكريات زائفة يعتقدون أنها صحيحة تمامًا
كيفية التعرّف على الذكريات الزائفة؟
تكمن المشكلة في أن الذكريات الزائفة تشبه الذكريات الحقيقية في القوة والثقة التي يشعر بها صاحبها قد يضيف الشخص تفاصيل جديدة لتبريرها دون وعي منه
وقد أظهرت دراسة عام 2020 أن الناس ليسوا أفضل من الحظ في اكتشاف الذكريات الزائفة
لزيادة الوعي بالذكريات الخاطئة، يُنصح بما يلي:
الرجوع إلى مصادر موثوقة (الموسوعات، المواقع الإخبارية الرصينة، المجلات العلمية المحكمة).
التفكير فيما إذا كانت الذاكرة قد تأثرت بما يتذكره الآخرون والبحث عن أدلة مستقلة تدعم الذاكرة خصوصًا إذا كانت ذات تبعات اجتماعية أو سياسية
ما هو مثال على ذاكرة زائفة؟
أن يعتقد شخص ما أنه قام بتشغيل الغسالة أو غسل الصحون قبل مغادرة المنزل ثم يعود ليجد أنه لم يفعل أيًّا منهما.
وفي ختام المقال ظاهرة مانديلا يُسليط الضوء على إن الذاكرة البشرية ليست آلة دقيقة لتسجيل الأحداث بل لوحة مرنة يعيد عقلنا رسمها باستمرار ما نعتقد أننا نتذكره قد يكون في الواقع مجموعة من المعلومات المغلوطة أو التأثيرات الجماعية وهذا يوضح مدى هشاشة إدراكنا للواقع وكيف يمكن للمجتمع والإعلام أن يشكّل الذكريات الجمعية فهم هذه الظاهرة ليس مجرد فضول علمي بل فرصة للتفكير النقدي في مصادر معلوماتنا وذكرياتنا والتأكد من صحة ما نؤمن به
"الذاكرة ليست مجرد صورة للماضي بل حكاية يرويها العقل كما يشاء"





نفس جدتي لما تسولف عن ماضيها هي صح احداث حقيقيه لكنها تزودها من كيفها مرات حسب مزاجها 🙂
🎀. حبيييت اللهم بارك