في هذا المجتمع، تُغلَّفُ الأشياء الباهتة تحت شعاراتٍ براقة، وتُقدَّم الأكاذيب في أثوابٍ من كلماتٍ منمّقة يُسمّون العجز «تأملًا»، والكسل «عفن دماغ» والجهل «ثقافة» وكأنّنا نحيا في معرضٍ كبيرٍ من الأقنعة، كلّ قناعٍ يُخفي عيبًا أو يُبرّر سذاجةً صار المثقف مجرّد صورةٍ معلّبة، يُقدَّم للجمهور كما يُقدَّم فنجان القهوة في إعلانٍ تلفزيونيٍّ أنيق تُغلف فكرة «الثقافة» اليوم بقطعة قماش بالية تستر غباء المجتمع، كما يُغلف الكسل بمصطلحاتٍ طبية تُضفي عليه عمقًا زائفًا لم يعد الوعي موقفًا، ولا المعرفة التزامًا، بل مجرّد عرضٍ بصريٍّ متكررٍ على شاشاتٍ متوهجة
فهل نحن فعلًا مثقفون؟ أم مجرّد حشدٍ من الدجاج يصفّق لأي شخصٍ يلتقط صورةً مع كتابٍ وكوب قهوة، ويُرفقها ببيتٍ شعريٍّ مأخوذٍ من صفحات الإنترنت؟
لقد تحوّلت الثقافة إلى مشهدٍ سينمائي، والمثقف إلى ممثلٍ يتقن التمثيل أمام الكاميرا أكثر مما يتقن التفكير أمام المرآة
صورة المثقف المزيفة
لقد صُوِّرت لنا «الثقافة» بعدسةٍ مشوهة: ملابس داكنة، كوب قهوة، كتب مكدسة، كلمات أجنبية، ونظرة غامضة نحو الأفق لكنّ هذه الصورة، وإن بدت راقية، تخفي وراءها عقولًا خاوية وألسنةً لا تعرف التهذيب ولا النظام يحفظ بعضهم أسماء الكُتّاب كما يحفظ الأطفال أسماء الألعاب، دون أن يفهم فكرةً واحدةً مما كتبوا
يدرسون شكلهم قبل خروجهم من المنزل، ولا يدرسون أفكارهم قبل أن يطرحوها يُلمعون سطح عقولهم كما يَلمَّع الزجاج، ويبقَى الداخل مظلمًا ككهفٍ لم تصل إليه شمعةٌ بعد، إنّ المثقف الحقيقي لا يُعرَف بثيابه أو صوره أو طريقته في إمساك الكتاب، بل يُعرف بقدرته على التساؤل، بالشكّ الذي يحميه من الغرق في مستنقع التكرار، وبقدرته على أن يخطئ ويتعلّم، لا أن يتظاهر بأنه يعلم كلّ شيء
مثقفو الشاشات
وفي زمننا الحالي كثر لدينا ما أسميهم «الدجاج المثقف» أولئك الذين يعيشون خلف الشاشات ولا يعرفون الحوار إلا في شكل تغريداتٍ جاهزة أو تعليقاتٍ متكرّرة هم لا يُحلّلون فكرة، ولا يبنون رأيًا، بل يُعيدون ما قرأوه كما تُعيد الببغاء ما تسمعه يُصفّقون لكلّ من يشبههم، وينبذون كلّ رأيٍ مختلف عنهم
لقد صار الذكاء الاصطناعيّ اليوم أداةً لتغليف العقول، لا لتنويرها فالجاهل لم يعُد يسعى للمعرفة لنفسه، بل ليُرضي المجتمع بصورةٍ لامعةٍ عن ذاته يكتب له الذكاء الاصطناعي فكرَه، ويبني له رأيه، ويُقرّر عنه، ثمّ يخرج متباهياً بما ليس منه
أنا لا أدّعي العقلانية المُطلقة، ولا أُنكر الاستعانة بهذه الأدوات، لكنّها خُلقَت لتساعدنا على التعلّم لا لتفكّر عنّا، لتفتح الباب لا لتسكنه بدلنا من الغباء أن نترك قرارًا يخص مستقبلنا لعقلٍ إلكترونيٍّ باردٍ لم يعش ولم يخطئ
الجهل الصادق
كُن جاهلًا صادقًا مع نفسك خيرٌ لك من جاهلٍ قارئٍ يتوهّم الفهم فالجهل الأول مرحلة طبيعية لكلّ إنسان، أما الثاني فهو مصيبة تُغلّف بالورق والعناوين لا تُصدّق كلّ ما تقرأ، ولا كلّ ما تسمع، ولا كلّ ما يُكتب باسم «العلم»و«الثقافة» الشكّ هو أولُ مفاتيح النجاة من هذا المستنقع الضحل الذي غرق فيه كثيرون دون أن يشعروا
اقرأ، فكّر، ناقش، لكن لا تدّعِ أن نقطة ماءٍ تُطفئ عطشك في صحراء الجهل المعرفة ليست ما تجمعه من كتبٍ ومصادر، بل ما تُنتجه من فهمٍ وتأمّل
فالجهل من طبيعة الإنسان، والوعي هبةُ من يسعى رغم جهله لا من يتخفّى خلفه لا تُحارب طبيعتك الخالدة، بل استخدمها لتبدأ من جديد، لتتعلّم بصدقٍ، لا لتتفاخر بمظهرٍ زائف
في النهاية، الثقافة ليست قناعًا نرتديه أمام الناس، بل روحًا تسكننا حين نكون وحدنا ليست عدد الكتب التي نعرضها، بل عدد الأفكار التي نُعيد صياغتها داخلنا فاحذر أن تكون مثقفًا كما تُريد الكاميرا، وكن مثقفًا كما تُريد الحقيقة — صادقًا، ناقصًا، باحثًا—
“إن أخطر أنواع الجهل، هو أن تظن أنك تعلم”



من احلى وأروع مأقرت بجد فتحت عيوني على كده حاجة كنت غافلة عليها ، نتمنى تطرح مقالة جميلة زي هادي وكتر لوعي باقي البشر ✨