بيتُ متزعزع ينتظر نزول المطر ليُهدم فوق رؤوس أصحابها!! او لعله يُهدم فوق جُثتهم
بيتٌ صغير، جدرانه متصدعة كأنها قلوب ساكنيه، ينتظر المطر ليهدم ما تبقى من صموده. كانت البداية مع فتاة في السابعة عشرة من عمرها ألقت بزيّها المدرسي كأنها تدفن أحلامها، واستبدلته بكفنٍ مزخرفٍ بالرسوم، لا ليُعبر عن حياة، بل عن فناءٍ مبكر. أخذت بيد أخيها الكبير متوجهة إلى بيت زوجها، رجلٍ يكبرها بثمانية أعوام وبينها وبين طفولتها مسافة لم تعد تُقاس بالسنوات، بل بالثقل الذي وُضع على كتفيها
تزامن دخولها إلى ذلك البيت مع سقوط حكم صدام حسين، تحرر الناس جزئياً، لكن حريتها الشخصية بقيت أسيرة غرفة صغيرة كان الزوج لطيفاً، وكانت أمه تمطرها بالحنان، إلا أن قلبها ظلّ مشدوداً إلى مدرستها، إلى دفاترها، إلى صديقاتها اللواتي تركتهن خلفها. لم تتأقلم مع الأدوار المفروضة، وأطبق عليها الاكتئاب كقيدٍ خفي، بينما في رحمها كانت حياة صغيرة تنمو، حياة لا تعرف صاحبتها كيف تواجهها.
سألت نفسها مراراً: "ماذا أعرف عن الأمومة؟"
وكان الجواب دائماً: " لا شيء… سوى الخوف"
حلّ يناير البارد، ومع خرير المطر وصوت الرعد، علت صرخة أمّ تتبعها صرخة طفلة صغيرة، بداية حياة جديدة داخل غرفة مليئة بالصمت والاضطراب
مرت السنوات، وكبرت الطفلة بين شجار الأم والأب، بين دموع مكتومة وصوت أبواب تُغلق بعنف وجدت نفسها مضطرة أن تتحمل ما لا يُحتمل؛ ربت إخوتها الصغار، غسلت وجوههم صباحاً، طبخت لهم الطعام وهي في عمرٍ كان ينبغي أن يُزين بالكتب والأحلام. كان طفولتها تُختطف شيئاً فشيئاً، حتى صارت شابة في العشرين، لكنها بلا قلب، بلا شغف، بلا يقين
"أحياناً، لا يكبر الجسد وحده… بل تكبر الندوب معه"
صارت مجرد ظل لإنسانة، ملامحها تبتسم حين يُطلب منها، لكن داخلها خواء مشاعرها مبعثرة كأوراقٍ في مهب الريح، اهتماماتها باهتة، وكل ما فيها يصرخ صمتاً أما الأم، فظلت حبيسة ماضيها، لم تزل جراحها تنزف وإن حاولت إخفاءها. كان البيت يعيش في حالة تأهب دائم لأي مشكلة، كأنهم في معركة بلا هدنة انعدم الأمان، وغمرهم الشعور بالنقص، وكل هذا لم يكن سوى ثمرة مرة لزواجٍ مبكر سرق منهم الطفولة والسكينة
لكن تلك الطفلة، التي خُنقت بين جدران المعاناة، لم تقبل أن تُصبح مجرد ضحية أخرى قاومت ما تبقى من ضعفها، جمعت شتاتها، وحملت آلامها كسلاح لا كعبء درست من جديد، وعملت، وواجهت خوفها، حتى صارت أقوى من البيت الذي كان يوشك أن يهدمها
"لعل القلب الصغير الذي فقد الأمان، قد وجد في النهاية مأواه… في نفس المكان الذي فقده فيه."
لازلت تلك الطفلة التي تبحث عن أُمها وأبيها ،الطفلة الصغيرة بداخلها لازالت تبحث عن الحنان عن العطف عن عائلتها الضائعة تحت رُكام البيت المكتوب في هذا المقال ليس إلا تنويه او صرخة بأننا نحن موجودين ليس إلا!! كما نقول:
“Maybe in another universe”
اتمنى لنا الشفاء العاجل،الرحلة طويلة وأعمارنا قصيرة، عندما اجلس وأُفكر أرى حياتي بأنه معدوم الفائدة،
حياة لم أعشها ،مُحيط لم أختاره،شخصية باهتة،فراغ بائس،ماضي يُشفق على من يعيشها
عندما أبحث عن نفسي في رُكام حياتي الضائعة لا أجد غير فُتأت شخص يوشك أن يُدفن
ولازلت أسأل نفس السؤال في كل فُرصة
من أنا؟


